ابن خلدون
108
رحلة ابن خلدون
ومنهم ، شيخنا المعمّر الرحّالة أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق ، شيخ وقته جلالة ، وتربية ، وعلما ، وخبرة بأهل بلده ، وعظمة فيهم . نشأ بفاس ، وأخذ عن مشيختها ، وارتحل إلى تونس ، فلقي القاضي أبا إسحق بن عبد الرفيع ، « 231 » والقاضي أبا عبد الله النّفزاوي ، وأهل طبقتهما . وأخذ عنهم ، وتفقّه عليهم ، ورجع إلى المغرب . ولازم سنن الأكابر والمشايخ ، إلى أن ولاه السّلطان أبو الحسن القضاء بمدينة فاس ، فأقام على ذلك ، إلى أن جاء السّلطان أبو عنان من تلمسان ، بعد واقعة القيروان ، وخلعه أباه ، فعزله بالفقيه أبي عبد الله المقري ، وأقام عطلا في بيته . ولمّا جمع السّلطان مشيخة العلم للتّحليق بمجلسه ، والإفادة منهم ، استدعى شيخنا أبا عبد الله بن عبد الرزاق ، فكان يأخذ عنه الحديث ، ويقرأ عليه القرآن برواياته ، في مجلس خاصّ إلى أن هلك ، رحمه الله ، بين يدي مهلك السّلطان أبي عنان . إلى آخرين ، وآخرين ، من أهل المغرب والأندلس ، كلّهم لقيت وذاكرت وأفدت منه ، وأجازني بالإجازة العامة . حدوث النّكبة من السّلطان أبي عنان كان اتصالي بالسّلطان أبي عنان ، آخر سنة ستّ وخمسين ، وقرّبني وأدناني ، واستعملني في كتابته ، حتى تكدّر جوّي نده ، بعد أن كان لا يعبّر عن صفائه ، ثم اعتلّ السّلطان ، آخر سبع وخمسين ، وكانت قد حصلت بيني وبين الأمير محمد صاحب بجاية « 232 » من الموحدين مداخلة ، أحكمها ما كان لسلفي في دولتهم .
--> ( 231 ) أبو إسحق إبراهيم بن الحسن بن عبد الرفيع الربعي التونسي قاضي القضاة بتونس ( 635 - 735 ) له كتاب « معين الحكام » في مجلدين ، اختصر فيه كتاب المتّيطية ، وقصد أن يرد على أبي محمد بن حزم ، فيما انتقده من أحاديث خرجها مالك في الموطأ ، ولم يقل بها . ديباج ص 89 ، المنهل الصافي 1 / 14 . ( 232 ) هو أبو عبد الله محمد بن الأمير أبي زكرياء . ولاه أبو عنان إقليم بجاية ليقف - دونها - في وجه ملوك تونس يومئذ . انظر مفصل أخباره في العبر 7 / 282 .